المحاضرة رقم 02
تاريخ علم النفس الجنائي:
ان معرفة تاريخ علم النفس الجنائي، هو ربط حاضر هذا العلم بماضيه، وهذا الفرع من علم النفس لا يختلف في اهتماماته كاهتمامات فروع علم النفس الاخرى، حيث يهتم هو الآخر أيضا بالفرد وسلوكه لكن في صورته السلبية أكثر ويهتم بالفرد في علاقته بالآخرين في صورته السلبية ولا يمكن سلخ هذا التخصص عن بحوث الفروع الاخرى من علم النفس ذلك كون الفرد كل لا يتجزأ في بيئته وعلاقته مع الآخرين.
فدراستنا لتاريخ علم النفس الجنائي مرتبط بدراسة تاريخ علم النفس بوجه عام، ويعد العالم كاتل هو أولى الباحثين في علم النفس الاجتماعي الذي اهتم بدراسة وتقيم الشهادة من الناحية السيكولوجية، وذلك كان سنة 1893.
" وفي عصر كاتل وهو فجر علم النفس التجريبي، كان علماء النفس في أوربا خاصة ألمانيا، على قناعة بالأثر الذي لا يمكن انكاره للإيحاء على عمليات الاحساس والادراك في المجالات اليومية المختلفة ومنها مجال الشهادة الجنائية، حيث رأى كاتل في حينه أن المحامي حزب الذمة يمكن أن يوجه الى الشاهد العدل الصادق حسن النية، العديد من الاسئلة الخبيثة بحيث تشكك في شهادته وتجعلها تبدو قاصرة أو متناقضة، ولعل القضاة يعرفون أكثر من غيرهم، أمثال هذه الأمور، كما بين الى أن هناك عوامل أخرى يمكن أن تؤثر على كفاءة الشهادة، رغم حسن نية الشاهد ورغبته في أن يعطي شهادة دقيقة موثوق بها مع تعرضه للنسيان" ( محمد شحاته ربيع وآخرون، نفس المرجع: ص25).
وتعد هذه التجربة أولى بدايات البحث في ميدان علم النفس الجنائي، حيث اهتمت هذه الأخيرة بدراسة العوامل النفسية التي تؤثر على كفاءة الشهادة القضائية، ومن الطريف أن نذكر أن هذه التجربة، أجريت على عينات أخرى من الطلاب في الجامعات الأمريكية وكانت نتائجها مشابهة الى حد كبير الى نتائج تجربة كاتل" ( محمد شحاته ربيع وآخرون، نفس المرجع: ص26).
في أوربا قام ألفرد بينيه "Binet " عام 1900 بإجراء دراسات عن كفاءة الشهادة القضائية، ونشر عام 1905 كتيبا بعنوان دراسات في علم النفس القضائي، وقد أجر العالم شترن " Stern " عام 1901 تجربة رائدة في علم النفس الجنائي، حضرها طلاب جامعة برلين، الذين يدرسون القانون، وكانت التجربة عبارة عن معركة بين اثنين من الطلاب بسبب خلاف حول احدى القضايا، بحيث أن أحدهما سحب مسدسه في مواجه الآخر، وهنا تدخل Sternوأنهى المشاجرة، حيث كانت المشاجرة تمثيلية مرتبة سلفا، بين الطالبين المشاركين فيها بإيعاز من Stern وبعد انهاء المشاجرة طلب Stern من الطلبة المشاهدين، الذين يدرسون القانون ويعرفون العوامل المؤدية الى تحريف الشهادة، فإن أحدا من الطلاب لم تكن شهادته دقيقة تماما، بل حفلت جميع الشهادات بالأخطاء، ما بين 4 أخطاء الى 12 خطأ لكل طالب.
وقد كانت الواقعة الرئيسية في هذه التجربة، هي سحب أحد المتشاجرين، لمسدسه، التي كانت مجالا للعديد من أخطاء الشهادة حيث بلغت الاثارة ذروتها عند سحبه، وقد توصل Stern الى أن الانفعالات الشديدة تؤدي الى تدني كفاءة عملية الاسترجاع أو التذكر، بمعنى أن أخطاء التذكر والاسترجاع اذا كانت عملية المشاهدة، لواقعة ما، مشحونة بشحنة انفعالية قوية، وقد استمر اهتمام Sternبموضوع الجوانب النفسية للشهادة القضائية، وهذه الدورية العلمية توسعت فيما بعد، وقد ناقشت هذه الدورية موضوعات هامة، في هذا المجال، كدور الاسئلة الايحائية، من المحقق في تحريف الشهادة، والعوامل المؤدية الى الانحياز في الشهادة القضائية، مثل الاتجاهات والافكار المسبقة، وموضوعات أخرى مثل الشهادة الجنائية للمسنين، وأثر تقادم العهد بالواقعة على دقة الشهادة الجنائية، بحيث يمكن القول أن علم النفس الجنائي بدأ بدراسة الشهادة الجنائية، وتوسعت أبحاثه في سنة 1908 لتشمل موضوعات عديدة في علم النفس التطبيقي.
ومن مظاهر الاهتمام بعلم النفس الجنائي، هو الاستفادة من خبراء علم النفس في تقيم الشهادة القضائية، ومن القضايا الشهيرة التي عرفت في هذا المجال الاهتمام بوقائع الجريمة التي وقعت عام 1896 في ألمانيا أين اتهم فيها رجل بقتل ثلاثة نساء، وقد قام بدراسة هذه القضية عالم علم النفس نوتزينج " Notzing " حيث صاحب تحقيق هذا العالم في القضية ضجة اعلامية كبيرة"( محمد شحاته ربيع وآخرون، نفس المرجع: ص27-28) .
وقد ارتآى "نوتزينج" Notsingأن هذه الضجة الاعلامية أثرت على شهادة الشهود بحيث أصبح الشهود بسبب الضجيج الاعلامي لا يميزون بين الوقائع التي كانوا شهودا عليها، وبين الوقائع التي تداولتها الصحف وما حفلت به من مبالغات وإثارة، أي أن الشهود أصبحوا يخلطون بين ما شاهدوا بأنفسهم وبين ما تروجه الصحف من معلومات عن الحادث، بحيث يتأكد تأثير الايحاء على تذكر الواقعة الجنائية وعلى شهادة الجنائي.
بعد هوجو منستربرج Munsterberg وهو عالم أمريكي الجنسية ألماني الأصل اهتم هذا الأخير بتطبيقات علم النفس في مجالات الحياة اليومية، وعلى رأسها المجال الجنائي والمجال الصناعي، حيث يعد الأب الروحي لعلم النفس التطبيقي لقد أصدر منستربرج كتابا بعنوان على منصة الشهادة حيث أشار فيه الى مشاهداته وملاحظاته التي استخلصها لما يقع أثناء المحاكمة من مدخلات وأكد في هذا الكتاب على أن علماء النفس بمعلوماتهم وخبراتهم عن موضوعات هامة مثل الادراك والتذكر يستطيعون جيدا فهم الجوانب النفسية في الشهادة القضائية ومع ذلك فقد أشار في نفس الكتاب الى الانحيازيات والانفعالات والدوافع فيها قدر من النقص والتناقض وهذا الكتاب لم يلقى قبولا من الجهات القضائية رغم شعبيته في ذلك الوقت وربما يرجع ذلك الى أن علم النفس لم تكن له قاعدة معلوماتية قوية بحيث يلق قبولا لدى رجالات القضاء.
وفي عام 1914 نشر" Munsterberg " مقالة تحت عنوان الجوانب النفسية عند المحلفين وكانت هذه الدراسة نتيجة بحوث أجريت على الطلاب والطالبات في جامعتي هارفرد وراد كليف، ومن الطريف أن نذكر أنه في هذه الدراسة أكد على ضرورة استبعاد النساء من هيئات المحلفين وذلك على أساس أن الطالبات أقل كفاءة في دقة الأحكام واتخاذ القرارات من الطلاب.
فرغم بعض التحفظات التي أثيرت حول Munsterbergبسبب القطيعة التي تبب في اثارتها بين القانون وعلم النفس وذلك ربما لرفض أعضاء الهيئة القضائية ما اعتبروه منه تدخلا في عملهم إلا أن انجازاته تعد جزءا لا يتجزأ من تاريخ علم النفس الجنائي "( محمد شحاته ربيع وآخرون، نفس المرجع: ص28).

